الاتجار بالبشر وعصابات السفر الوهمي: قصة أب طارد المهربين لإنقاذ أطفاله من “فخ كيو نت”.

image-7653

Share this:

بدأت المأساة حين اعتقد فوداي موسى أنه وجد طريقاً لتأمين مستقبل ابنه وابنته من خلال فرصة عمل في الخارج. المهربون قدموا وعوداً براقة في بداية عام 2024، لكن الواقع كان مختلفاً تماماً عما رسموه للأب في غينيا.

اختفى الابن البالغ من العمر 22 عاماً وابنته ذات الـ 18 عاماً بعد مرافقة هؤلاء الوسطاء. وجد الأب نفسه مضطراً للانضمام إلى حملة مطاردة شرطية واسعة النطاق في محاولة يائسة للعثور على أطفاله.

العصابات الإجرامية في غرب أفريقيا تستخدم أساليب ذكية جداً للإيقاع بالضحايا. هم يدّعون العمل تحت اسم شركة معروفة في هونغ كونغ لتبدو أنشطتهم مشروعة وقانونية تماماً.

الهدف من هذه الواجهة هو طمأنة العائلات التي تبحث عن مخرج من الفقر. لكن الحقيقة هي أن هؤلاء الشباب يقعون في قبضة شبكات اتجار دولية منظمة.

موسى لم يكن يعلم أن أطفاله سيتحولون إلى مجرد أرقام في نظام استغلالي بشع. الرحلة التي بدأت بالأمل تحولت بسرعة إلى كابوس أمني عبر الحدود.

تعتمد هذه العصابات على وعود بالوصول إلى الولايات المتحدة وكندا ودبي. يطلب المهربون مبالغ مالية كبيرة جداً، زاعمين أنها لتغطية مصاريف إدارية وتذاكر سفر وتأشيرات دخول.

دفع موسى وعائلته مبلغاً ضخماً وصل إلى 25,000 دولار كرسوم انضمام وتكاليف لمحاولة استعادة أبنائه لاحقاً. هذا المبلغ يمثل ثروة هائلة بالنسبة لعائلة من قرية في غينيا.

بعد دفع المال، يتم نقل الضحايا إلى دول مجاورة مثل سيراليون بدلاً من أوروبا أو أمريكا. هناك، يبدأ المهربون مرحلة جديدة من الابتزاز والضغط النفسي على الضحايا.

يخبرون الشباب أنهم لن يغادروا إلى وجهتهم النهائية إلا إذا نجحوا في تجنيد أشخاص جدد. هذا النظام يحول الضحية إلى شريك في الجريمة دون إرادته.

شركة “كيو نت” من جانبها أطلقت حملات لمكافحة الاحتيال ونفت صلتها بهذه العصابات. الشركة تؤكد أن اسمها يُستغل من قبل مجرمين لا علاقة لها بهم إطلاقاً.

تستغل العصابات نقاط العبور غير القانونية على الحدود لنقل الضحايا بسهولة بعيداً عن أعين الرقابة. هذا التنقل المستمر يجعل من الصعب على الأهالي تتبع أماكن تواجد أبنائهم.

قاد محمود كونتي، من وحدة مكافحة الاتجار بالبشر في الإنتربول، عمليات مداهمة واسعة في مدينة ماكيني. النتائج التي عثرت عليها الشرطة كانت توصف بأنها مروعة ولا إنسانية.

وجد المحققون أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً يعيشون في غرف مكتظة. في بعض الحالات، كان ينام 15 شخصاً في غرفة واحدة صغيرة في ظروف صحية سيئة جداً.

المجرمون يجبرون الضحايا على التقاط صور مزيفة في المطارات واستخدام أرقام هواتف دولية. الهدف هو إيهام عائلاتهم في الوطن بأنهم سافروا بالفعل وبدأوا حياتهم الجديدة.

إحدى الضحايا، وتدعى أميناتا، روت قصصاً مفجعة عن إجبارها على العمل في الجنس للبقاء على قيد الحياة. العصابة استخدمت جسدها وسيلة للربح بعد أن عجزت عن تجنيد ضحايا جدد.

يرى المراقبون أن العقبات القانونية ما تزال تعيق تحقيق العدالة الكاملة للضحايا. فرغم كثرة المداهمات، لم تسجل سيراليون سوى أربع إدانات فقط خلال قرابة ثلاث سنوات.

الضحايا الذين يتم إنقاذهم يعودون محملين بـ إحساس عميق بالخزي والعار. هم يشعرون بالذنب لأنهم أضاعوا أموال عائلاتهم وتسببوا في استدراج أقاربهم للفخ ذاته.

أميناتا نجحت في الهروب أخيراً بعد عام كامل من الاحتجاز المهين. العصابة قررت التخلص منها ببساطة لأنها لم تعد “مفيدة” لهم في عمليات التجنيد الجديدة.

المداهمات الأخيرة في ماكيني أسفرت عن اعتقال 12 مشتبهاً به. هؤلاء المتهمون يديرون شبكات معقدة تمتد عبر بوركينا فاسو وكوت ديفوار ومالي وغينيا.

ابنة فوداي موسى عادت أخيراً إلى موطنها في غينيا، لكن الجرح النفسي لم يلتئم بعد. هي ترفض التواصل مع والدها حتى الآن بسبب الخجل الشديد مما حدث لها.

أما الابن، فما يزال مكانه مجهولاً حتى هذه اللحظة رغم الأنباء التي تقول إن المهربين أطلقوا سراحه. الأب لا يزال يبحث في كل مكان، آملاً في لم شمل عائلته الممزقة.

تواجه السلطات في غرب أفريقيا نقصاً حاداً في الموارد لمواجهة هذه الجرائم المتطورة. ورغم إنقاذ مئات الضحايا في العام الماضي، إلا أن المخططات ما زالت مستمرة.

المستقبل يتطلب تعاوناً دولياً أكبر لتجفيف منابع تمويل هذه العصابات وحماية الشباب. يبقى الوعي الشعبي هو السلاح الأول لمنع تكرار مأساة عائلة موسى في قرى أخرى.

Share this:

Scroll to Top